على مدار الساعة

قيم المواطنة بين مصلحة المواطن و مساهماته/أ. الشيخ أحمد أعل النباش

2022-08-29 11:15
الأستاذ الشيخ أحمد أعل النباش

لا يخفى على أحد أن تاريخ موريتانيا الإسلامي الحافل، جعل مواطنيها أكثر تماسكا و تعاضدا و انتماء لهذه الأرض و لتاريخها الثقافي و الاجتماعي و السياسي الشامخين، و جعلهم كذلك من أكثر شعوب المنطقة تعلما و تفقها في الدين و تمعنا في معانيه و من أكثرهم حبا للخير لجميع المسلمين في كافة أقطار المعمورة و للعالم بأسره، و من أكثر الشعوب تعلقا و ارتباطا بأرضهم، حيث نسجت أشعار كثيرة تتغنى بالوطن و بأرضه، و قد شكل إتحادهم و تماسكهم لبنتا أساسية في نشرهم للدعوة الإسلامية السمحة و قد كان تميزهم دافعا لتدريسهم للعلوم الشرعية و غيرها في العديد من مناطق العالم، حيث شكلت أرض موريتانيا بداية إنطلاق دعوة المرابطين الإصلاحية و التي قامت على إثرها دولة المرابطين، حيث إمتدت على عدة دول و شعوب إفريقية و كذلك على مناطق من القارة الأوروبية و قد ساهمت هذه الدولة التي إستمرت لأكثر من قرن من الزمن على ترسيخ قيم الإسلام السمحة و منها ترسيخ قيم المواطنة و تعزيز انتماء الإنسان لأرضه و لوطنه و ضرورة تفانيه في خدمته و في الدفاع عنه، حيث أن قيم المواطنة هي من أساسيات تعاليم و قيم ديننا الإسلامي الحنيف، و حيث أن الإنسان حيث ما كان لابد له من الارتباط الوثيق بينه و بين وطنه و أن كل إنسان بلا وطن هو ككائن بلا روح أو كجسد بلا إحساس فوجود الوطن هو الضمان الوحيد للأمن و للإستقرار و للتنمية و للعدالة و المساواة لجميع مواطنيه و مع أن الوطن هو كالأب بالنسبة لجميع المواطنين، إلا أنه لا يمكن أن يستمر عطائه و استقراره و نموه و تقدمه و ازدهاره سوى بتوحيد صفوف جميع أبنائه و بنبذ التفرقة و بمحاربة كل ما من شأنه أن يفرق بين أبناء الوطن الواحد و بتفاني الجميع في خدمته و في الدفاع عنه و في الحفاظ على ممتلكاته و صيانتها و في الحفاظ على مظهره و في إعطاء الصورة الحسنة عنه في جميع مناحي الحياة أو عن طريق جميع الوسائل المرئية و المقروءة و المسموعة أو من خلال تمثيله أحسن تمثيل، سواء كان ذلك بالمعاملات أو بالالتزامات أو بالقرارات، مهما كان ذلك داخله أو خارجه، لما ذلك من فوائد تنعكس إيجابيا على الأقتصاد الوطني من خلال تشجيع السياحة داخل الوطن و كذلك تشجيع الاستثمارات الأجنبية داخله، و من ما لا شك فيه أن التحلي بقيم المواطنة هو الضمان الوحيد للوفاء للوطن، و لا يمكن أن تختزل هذه القيم في الاعتزاز بالوطن فحسب، دون تأدية واجباته المنوطة بكل مواطن، بل و بالإستعداد الدائم كذلك لخدمته و للتضحية من أجله بكل غال و نفيس و مهما كانت الظروف، لأن الوطن هو الكنز الوحيد لكل مواطن، و إن معاني التضحية من أجله، ليست مجرد الاستعداد للموت في سبيله بل و تتعدى ذلك إلى معاني أخرى روحية و مسلكية مرتبطة بحياة الإنسان سواء كان في أرضه أو خارجها، بحيث يجعل وطنه بمثابة والديه، فينبغي تقديم مصلحته على جميع المصالح الشخصية و على مصلحة أي فرد أو أية جماعة، و ذلك خدمة له و للمواطنين كافة و للأمة الإسلامية بصورة عامة و لمصلحة العالم بأسره.
إن قيم المواطنة هي مسلكيات و تصرفات ينبغي لكل مواطن أن يتحلى بها أين ما كان، و من هذه المسلكيات، احترام القوانين و النظم المعمول بها في وطنه و في الخارج و كذلك احترام السلطات الوطنية داخل أرض الوطن و خارجه و كذلك سلطات أي بلد آخر يتواجد فيه، و ينبغي أن تسهر هذه الأولى بدورها على توفير الأمن و السكينة و الاستقرار للمواطنين بصورة عامة و على ضمان الحريات و العدالة و المساواة لهم داخل الوطن و خارجه، و ذلك خلال وجودها الدائم داخل الوطن أو من خلال بعثاتها الدبلوماسیة خارجه، و كذلك من خلال العلاقات الدبلوماسیة و الاتفاقيات و المعاهدات التي وقعتها الدولة مع إحدى أو بعض أو جميع دول العالم خدمة لمصالح المواطنين المشتركة و كذلك خدمتا للتعاون المشترك بينهم.
و بالنظر إلى ضرورة عمل كل مواطن على رفعة وطنه و حمايته و تعزيز روح الانتماء إليه بين مختلف مواطنيه، و بالحفاظ على ممتلكاته و 
صيانتها و بأداء واجباته بإخلاص و بالمساهمة في تطويره و نموه و تقدمه و ازدهاره، سواء كان ذلك بدفع الضرائب و الإيتاوات و الجبايات أو من خلال المساهمات المعنوية المتمثلة في دعم و مساندة و طاعة ولي الأمر في ما ليس فيه معصية للمولى عز و جل و ذلك خدمة لمصلحة الوطن و المواطنين و الأمة بصورة عامة و كما أمر ربنا عز و جل، حيث قال جل من قائل في محكم كتابه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) صدق الله العظيم، و في حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : "السمع و الطاعة على المرء المسلم فيما أحب و كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع و لا طاعة"، صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم و كذلك بالتفاني في العمل خدمة لمصالحه و لمصالح مواطنيه.
فللتحلي بقيم المواطنة فوائدة كثيرة و تنعكس بشكل مباشر على حياة الفرد و الأسرة و الجماعة و على حياة جميع المواطنين بصورة عامة و كذلك على الوطن و على نموه و استقراره و تنميته و تقدمه و ازدهاره و تنعكس كذلك بشكل إيجابي على العلاقات الفردية و الجماعية لكل مواطن و مع الجميع، سواء كانوا مواطنين أو أجانب و تجعل حياته مستقرة و مليئة بالنجاحات و بالأفراح و المسرات و تجعله كذلك محبوبا عند الجميع و يكون بذلك مواطنا إيجابيا يساهم في بناء وطنه و في رفع ركيزة نموه و تقدمه و ازدهاره و في رفعته بين الأمم و في الدفاع عنه و في الحفاظ على ممتلكاته و مقدراته و على حوزته الترابية.
و يمكننا أن نلخص أن قيم المواطنة هي الأسلوب الأمثل لحياة أيجابية للمواطن داخل وطنه و خارجه، حياة يطبعها الاستقرار و النجاحات و التنمية و التطور و التقدم و الازدهار. 
و كما يقول الشاعر إبن الرومي في العصر العباسي : 
ولي وطنٌ آليت ألا أبيعَهُ @@@ و ألا أرى غيري له الدهرَ مالكا
عهْدتُ به شرخَ الشبابِ و نعمةً @@@ كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظِلالكا
فقد ألفَتْهُ النفسُ حتَّى كأنه @@@ لها جسدٌ إن بانَ غودِرْتُ هالكا
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ @@@ مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا
إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرتهمُ @@@ عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا
و قد ضامني فيه لئيمٌ وعزَّني @@@ و ها أنا منه مُعْصِمٌ بحبالكا
و أحْدث أحْداثاً أضرَّت بمنزلي @@@ يريغُ إلى بيْعِيْهِ منه المسالكا
و راغمني فيما أتى من ظُلامتي @@@ و قال لي اجهدْ فيّ جُهْدَ احتيالكا
فما هو إلا نسجُك الشعرَ سادراً @@@ و ما الشعرُ إلا ضلَّةٌ من ضلالِكا
مقالةُ وغْدٍ مثلُه قال مثلها @@@ و ما زال قوَّالاً خلافَ مقالكا
صدوفاً عن الخيراتِ لا يرأمُ العلا @@@ و لا يحْتَذي في صالحٍ بمثالِكا
مِن القومِ لا يرعَوْنَ حقاً لشاعرٍ @@@ و لا تَقْتدي أفعالُهم بفعالكا
يُعَيّر سُؤَّالَ الملوك و لم يكُن @@@ بعارٍ على الأحرارِ مثلُ سُؤالكا
مُدِلّاً بمالٍ لم يُصِبهُ بحِلّه @@@ و حَقِّ جلال اللَّهِ ثم جلالكا
و حَسْبي عن إثم الأليَّة زاجرٌ @@@ بما امتلأتْ عيني به من جمالكا
و إني وإنْ أضحى مُدِلّاً بماله @@@ لآمُلُ أن أُلفَى مُدِلّاً بمالكا 
فإن أخطأتْني من يَمينيْك نعمةٌ @@@ فلا تخطِئنْه نقمة من شمالكا
فكم لقي العافون عَوْداً و بدأةً @@@ نوالكَ والعادون مرَّ نكالكا
و قد قلت للأعداءِ لمَّا تظاهروا @@@ عليّ و قد أوعدتهم بصيالكا
حذارِ سهامي المُصميات و لم تكن @@@ لتُشويَ إن نصَّلتها بنصالكا
و ما كنتُ أخشى أن أسام هضيمةً @@@ و خدَّاي نَعْلا بِذْلةٍ من نعالكا
فجلّ عن المظلوم كل ظلامةٍ @@@ وقتْك نفوسُ الكاشحين المهالكا
و تلك نفوسٌ لو عُرِضن على الردى @@@ فِداءً رأى ألا تفي بقبالكا.
                    الأستاذ. الشيخ أحمد أعل النباش.